علي بن محمد البغدادي الماوردي

27

أدب الدنيا والدين

عواقب الهوى من شدة الضرر وقبح الأثر وكثرة الأجرام وتراكم الآثام . فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « حفت « 1 » الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » أخبر أن الطريق إلى الجنة باحتمال المكاره والطريق إلى النار باتباع الشهوات . قال علي ابن . أبي طالب رضي اللّه عنه : إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم فإن عاجلها ذميم وآجلها وخيم « 2 » فإن لم ترها تنقاد بالتحذير والارهاب فسوفها بالتأميل والارغاب فإن الرغبة والرهبة إذا اجتمعتا على النفس ذلت لهما وانقادت . وقد قال ابن السماك « 3 » ؛ كن لهواك مسوفا ولعقلك مسعفا « 4 » وانظر ما تسوء عاقبته فوطن نفسك على مجانبته فإن ترك النفس وما تهوى داؤها وترك ما تهوى دواؤها فاصبر على الدواء كما تخاف من الداء . وقال الشاعر : صبرت على الأيام حتى تولت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت « 5 » وإلا تسلت « 6 » فإذا انقادت النفس للعقل بما قد أشعرت من عواقب الهوى لم يلبث الهوى أن يصير بالعقل مدحورا « 7 » وبالنفس مقهورا ثم له الحظ الأوفى في ثواب الخالق وثناء المخلوقين قال اللّه تعالى : « وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى » . وقال الحسن البصري : أفضل الجهاد جهاد الهوى . وقال بعض الحكماء : أعز العز الامتناع من تملك الهوى . وقال بعض البلغاء : خير الناس من أخرج الشهوة من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه .

--> ( 1 ) حفت : حجبت . والمراد : أحيطت الجنة بالمكاره . والحديث رواه الشيخان ، وأحمد بن حنبل والترمذي عن أنس مرفوعا . ( 2 ) وخيم : ثقيل لا يوافق المزاج . ( 3 ) ابن السماك : أبو العباس محمد بن صبح العجلي ، كان من الزهاد ، وذا قدر عند الرشيد توفي سنة 183 ه - بالكوفة . ( 4 ) مسعفا : اسم فاعل ، من أسعفه بحاجته إذا قضاها له . ( 5 ) تاقت : من التوقان . أي اشتاقت . ( 6 ) تسلت : نسيت هواجسها . ( 7 ) مدحورا : مطرودا .